العلوم البيئيةملف العدد

الإدارة المستدامة للتربة خطوط توجيهية

م. أحمد العيسى

تواجه البشرية تحديات هائلة في مجال الزراعة والأمن الغذائي تتمثل في أمور عدة، أهمها تغير المناخ، والنمو الكبير المطرد في عدد سكان العالم، وتوسع المدن وانتشارها، والانتقال من الأرياف إلى المدن الصغيرة أو الكبيرة، وتدهور التربة، وتلوث المياه.
وفي هذا العالم السريع التغير، ونظرا للحاجة الملحة إلى القضاء على الجوع وضمان الأمن الغذائي والتغذية المناسبة لسكانه المنتشرين في بقاع مختلفة من حيث الموارد والإمكانات، فإن تحقيق الإدارة المستدامة للتربة يصبح ذا أهمية بالغة.

التربة والمياه والإنسان

تعتبر التربة موردا طبيعيا أساسيا وغير متجدد يستضيف سلعا وخدمات حيوية للنظم الإيكولوجية وحياة الإنسان. وهي عنصر جوهري لإنتاج المحاصيل، والأعلاف، والألياف، والوقود، كما أنها تصفي وتنقي آلاف الكيلومترات المكعبة من المياه كل سنة. وتساعد التربة أيضا، بوصفها مخزنا رئيسيا للكربون، على تنظيم انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الاحتباس الحراري، وهو عامل محوري لتنظيم المناخ. والإدارة المستدامة للتربة جزء لا يتجزأ من الإدارة المستدامة للأراضي، وكذلك أساس للعمل على استئصال الفقر، والتنمية الزراعية والريفية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين التغذية، وفق ما يقول دليل (الخطوط التوجيهية الطوعية للإدارة المستدامة للتربة) الذي أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) حديثا.
وتشكل التربة – وفق الدليل- أكبر تجمع بري للكربون في العالم، وينتج زهاء 95 في المئة من الأغذية العالمية في التربة. وتعتبر الإدارة المستدامة قيمة للتكيف مع تغير المناخ، ومسارا لصون الخدمات الرئيسية للنظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي. وبالنظر إلى القيمة التي لا تقدر بثمن التي توفرها التربة للمجتمع من خلال خدمات النظم الإيكولوجية، تضمن الإدارة المستدامة للتربة عائدا مرتفعا على الاستثمار عن طريق دعم هذه الخدمات وزيادتها. ويولد اعتماد ممارسات الإدارة المستدامة للتربة على نطاق واسع، منافع اجتماعية واقتصادية متعددة، لا سيما لصغار المزارعين وكبار المنتجين الزراعيين على الصعيد العالمي، الذين تعتمد سبل معيشتهم على موارد التربة بشكل مباشر.
إلا أن البينات التي توفرت مؤخرا من دراسات عدة تظهر أن نحو 33 في المئة من التربة على مستوى العالم يشهد تدهورا بصورة معتدلة أو شديدة، أي بفعل ممارسات الإدارة غير المستدامة. وعلى الصعيد العالمي، يقدر أن الخسارة السنوية البالغة 75 بليون طن في تربة الأراضي الصالحة للزراعة تكلف نحو 400 بليون دولار أمريكي كل سنة كخسارة في الإنتاج الزراعي. وتسهم هذه الخسارة أيضا في الحد من قدرة التربة على تخزين الكربون والمغذيات والمياه، وتدويرها. وقدرت الخسائر السنوية في إنتاج الحبوب بفعل تآكل التربة بنحو 7.6 مليون طن.

جهود عالمية
أدت الشواغل المتزايدة بشأن حالة التربة على مستوى العالم، من بين جملة أمور أخرى، إلى إنشاء الشراكة العالمية من أجل التربة، وإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة عن السنة الدولية للتربة (2015)، واعتماد مؤتمر منظمة الأغذية والزراعة والميثاق العالمي المنقّح للتربة. وفي سياق أوسع، اعتمدت خطة التنمية المستدامة لعام 2030 مجموعة من الأهداف ذات الصلة في عام 2015، منها تلك الآيلة إلى ترميم التربة المتدهورة، سعياً لإرساء عالم خال من حالات تدهور الأراضي، وتنفيذ ممارسات زراعية قادرة على الصمود، تتيح تحسين جودة التربة تدريجيا، وتقلل من تلوثها إلى أدنى حد.
وتسهم الإدارة المستدامة للتربة بصورة كبيرة في الجهود الجماعية الرامية إلى التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من وطأته، وفي مكافحة التصحر، وتعزيز التنوع البيولوجي، ومن ثمّ تتصل على نحو خاص باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الصحر، واتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع البيولوجي.
ويدعو الميثاق العالمي المنقّح للتربة إلى إدماج مبادئ وممارسات الإدارة المستدامة للتربة في التوجيهات السياساتية. وقررت الشراكة العالمية من أجل التربة، في معرض الاستجابة، وضع خطوط توجيهية طوعية (تضمنها الدليل) بما يتماشى مع هدفها الشامل المتمثل في الإدارة المستدامة للتربة.
النطاق والجمهور
تتسم الخطوط التوجيهية الطوعية للإدارة المستدامة للتربة التي يتضمنها الدليل بطبيعة طوعية، وهي ليست ملزمة قانونيا. وتفصل المبادئ الواردة في الميثاق العالمي المنقّح للتربة، مع الأخذ في الاعتبار البيئات المقدمة في تقرير حالة موارد التربة في العالم. وتعالج الخطوط التوجيهية الجوانب الفنية للإدارة المستدامة للتربة، بما في ذلك السمات الأساسية للتربة المدارة على نحو مستدام، والتحديات الرئيسية والحلول المحتملة لمواجهتها.
وتركز الخطوط التوجيهية الطوعية في المقام الأول على الزراعة التي تحدد على نطاق واسع بأنها إنتاج الأغذية، والألياف، والأعلاف، والأخشاب، والوقود، على الرغم من أن العديد من المبادئ التي تم وصفها لها تأثير مهم على خدمات النظم الإيكولوجية التي توفرها النظم المدارة وغير المدارة.
وترى المنظمة أنه من خلال توفير هذا الدليل الذي يسهل فهمه والحصول عليه فإنها تستهدف منه طائفة واسعة من أصحاب المصلحة، بما في ذلك المسؤولون الحكوميون، وصانعو السياسات، والمزارعون، والرعاة، والقيمون على الغابات والأراضي، والمستشارون الزراعيون وفي مجال خدمات الإرشاد، والشركاء الإنمائيون، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والأوساط الأكاديمية.

الإدارة المستدامة للتربة
تعرف الإدارة المستدامة للتربة وفقا للميثاق العالمي المنقّح للتربة على النحو الآتي: تكون إدارة التربة مستدامة في حال المحافظة على خدمات الدعم والإمداد والتنظيم والخدمات الثقافية التي توفرها التربة أو تعزيزها دون المساس بصورة ملحوظة، سواء بوظائف التربة التي تمكن هذه الخدمات أو بالتنوع البيولوجي. ومن المثير للقلق بخاصة التوازن بين خدمات الدعم والإمداد للإنتاج النباتي وبين خدمات التنظيم التي توفرها التربة لضمان جودة المياه، ومدى توافرها وللتركيبة الجوية لغازات الاحتباس الحراري.
ويرى الدليل أن ثمة تحديات تواجه تحقيق الإدارة المستدامة للتربة؛ إذ تتمتع التربة بسمات كيميائية وفيزيائية وبيولوجية متنوعة. ونتيجة لذلك، تختلف استجابات أنواع التربة لممارسات الإدارة، ومن حيث قدرتها الكامنة لتوفير خدمات النظم الإيكولوجية، وكذلك صمودها في وجه الاختلال وتعرضها لخطر التدهور.
وحدد تقرير حالة موارد التربة في العالم عشرة تهديدات رئيسية تعوق تحقيق الإدارة المستدامة للتربة. وتشمل هذه التهديدات: تآكل التربة بفعل المياه والرياح، وخسارة الكربون العضوي في التربة، وعدم توازن المغذيات في التربة، وتملح التربة، وتلوثها، وتحمضها، وخسارة التنوع البيولوجي للتربة، وانسداد مسام التربة، وتراص التربة، والإشباع بالمياه.
ويرى الدليل أن هذه التهديدات المتفاوتة من حيث الكثافة والاتجاه تختلف بحسب السياقات الجغرافية، على الرغم من ضرورة معالجتها جميعا بهدف تحقيق الإدارة المستدامة للتربة.

خطوط توجيهية لإدارة مستدامة
تضمن الدليل الخطوط التوجيهية الفنية للتصدي للتهديدات المحدقة بالتربة التي تعوق إدارتها المستدامة. وينبغي ألا ينظر إليها بوصفها قائمة كاملة من الممارسات الجيدة، بل مرجعا فنيا يطبق على أساس متصل بالسياق تحديدا. وهذه الخطوط هي:
< التقليل من تآكل التربة إلى أدنى حد.
< تعزيز محتوى المادة العضوية في التربة.
< تدعيم توازن مغذيات التربة ودوراتها.
< الوقاية من التملح والقلوية والتقليل منهما إلى أدنى حد والتخفيف من آثارهما.
< الوقاية من تلوث التربة والتقليل منه إلى أدنى حد.
< الوقاية من تحمض التربة والتقليل منه إلى أدنى حد.
< الحفاظ على التنوع البيولوجي للتربة وتعزيزه.
< التقليل إلى أدنى حد من انسداد مسام التربة.
< الوقاية من تراص التربة والتخفيف من آثاره.
< تحسين إدارة المياه في التربة.>

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق